دكتورة نورا طارق معروف تكتب :الجيوبولتيك وتحركات التحالف الإقليمى قراءة فى المشهد السياسى
بقلم : د. نورا طارق معروف
الجغرافيا السياسية والجيوبولتيك "" مضيق هرمز، وتحركات “التحالف الإقليمي” في لحظة جيوسياسية فارقة"
لا يمكن النظر إلى التصعيد الراهن بين الولايات المتحدة وإيران بوصفه مجرد فصل جديد من فصول العقوبات الاقتصادية؛ فنحن نعيش لحظة انعطاف تاريخي. إن ما يحدث الآن ولاده لنظام دولي جديد، حيث تحول النفط من سلعة تجارية إلى سلاح جيوسياسي، وتحولت الممرات المائية من طرق للملاحة إلى ساحات لفرض السيادة واختبار القوة.
فعلى الرغم من تشديد القيود، تشير التقديرات إلى استمرار إيران في تصدير ما بين 1.3 إلى 1.6 مليون برميل نفط يومياً، مقارنة بنحو 2.5 مليون برميل قبل العقوبات المشددة، وهو ما يعكس قدرة واضحة على إعادة التكيّف الاستراتيجي عبر إعادة توجيه التدفقات النفطية، لا سيما نحو الأسواق الآسيوية.
وتستند هذه القدرة إلى بنية مينائية مرنة تضم أكثر من 11 ميناءً رئيسياً، تستحوذ الموانئ الجنوبية منها على نحو 90% من حركة التجارة الخارجية. ويبرز ميناء الشهيد رجائي كمركز محوري يمر عبره ما يقارب 60% من التجارة البحرية الإيرانية، في حين تمثل جزيرة خارك نقطة ارتكاز لنحو 90% من صادرات النفط الخام.
هذا التوزيع الجغرافي يقلل من فعالية الحصار الجزئي، خاصة مع اعتماد طهران على آليات التفاف متقدمة، مثل “الأسطول الرمادي” الذي يضم مئات الناقلات المستخدمة لتجاوز القيود، إلى جانب شراكات استراتيجية مع قوى صاعدة، في مقدمتها الصين التي تستحوذ على ما يصل إلى 40% من النفط الإيراني في بعض الفترات.
في المقابل، يبرز مضيق هرمز بوصفه مركز الثقل الجيوسياسي في الأزمة، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد الدولي. وقد أظهرت الأزمة أن أي اضطراب—الشحن بنسبة تصل إلى 50%، وزيادة أقساط التأمين البحري بنسب قد تتجاوز 300%.
وفي هذا السياق، لم يعد المشهد مقتصراً على ثنائية “حصار–صمود”، بل اتجه نحو إعادة تشكيل بنية الاقتصاد العالمي عبر ما يمكن وصفه بـ”الانقسام الوظيفي”، حيث تتشكل تدريجياً شبكتان للتجارة العالمية:
شبكة تقليدية خاضعة للنفوذ الغربي
وشبكة موازية تقودها قوى صاعدة بآليات أكثر مرونة
غير أن التحول الأبرز لا يتمثل فقط في إعادة توزيع النفوذ الدولي، بل في دخول فاعلين إقليميين بثقل سياسي واقتصادي متزايد، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة.
في هذا الإطار، برزت تحركات “الثقل الإقليمي” خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي، حيث شهدت اللقاءات حضوراً لافتاً لوزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا، في تحرك يعكس إدراكاً متزايداً لخطورة المرحلة.
لا يمكن قراءة هذا التحرك بمعزل عن كونه محاولة لصياغة مقاربة جيوسياسية بديلة تقوم على:
احتواء التصعيد العسكري عبر الدفع نحو وقف إطلاق نار مستدام
تأمين استمرارية تدفقات الطاقة والتجارة العالمية
تقليص آثار “اقتصاد الصدمة” الناتج عن اضطراب سلاسل الإمداد
وتبرز مصر في هذا السياق كفاعل محوري، ليس فقط من زاوية سياسية، بل أيضاً بحكم موقعها الجيو-اقتصادي المرتبط بأمن الممرات البحرية، خاصة مع ارتباط حركة التجارة العالمية بقناة السويس، التي تمثل أحد أهم الشرايين البديلة والمكملة لحركة الملاحة عبر هرمز.
كما تعكس التحركات المشتركة مع السعودية توجهاً نحو الابتعاد عن سياسات حافة الهاوية، واستبدالها بنهج يقوم على إدارة التوازنات الإقليمية، بما يضمن استقرار أسواق الطاقة ويحد من الانزلاق إلى صراع واسع النطاق.
أما مشاركة تركيا وباكستان، فتعكس اتساع نطاق القلق الإقليمي، وتحول الأزمة إلى قضية تتجاوز حدود الخليج، لتشمل الأمن الاقتصادي العالمي بأكمله.
مما يعنى أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بل
اختبار لقدرة القوى الكبرى على التحكم في الممرات الحيوية
ساحة لإعادة توزيع النفوذ بين قوى دولية وإقليميةوامحاولة قيام نظام اقتصادي عالمي أكثر تعددية
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن التحركات الدبلوماسية الإقليمية، وعلى رأسها تحركات “الثقل الرباعي”، تمثل محاولة لإعادة ضبط إيقاع الصراع، ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة قد تعيد رسم خريطة الممرات البحرية بالقوة.
ختاماً، فإن ما بدأ كحصار اقتصادي، أصبح صراع على “حق الحركة والحياة معا ” في النظام الدولي، حيث لم تعد السيطرة على البحر أو التجارة حكراً على طرف واحد، بل أصبحت نتاج توازنات معقدة بين قوى تسعى لإعادة تطبيق نظرية الجيوبولتيك دون أن يعترض أحد وقوى تحاول التماسك والحفاظ على أرضها ومواردها وما تفعله امريكا من ممارسة سياسة القطب الأوحد ما هو إلا النفس الأخير أمام إصرار كل أقطاب العالم الناشئة على إعادة التوازن الدولى




-18.jpg)